سواء كنت رايح تزور ستّك وجدّك، أو طالع عصرونية مع أصحابك، أو عم تستقبل ضيوف ببيتك، بالأغلب رح ينحط بإيدك فنجان صغير من القهوة اللبنانية. هالفنجان الصغير، بلا مسكة، و المعروف باسم فنجان الشفّة اللبناني، صار واحد من أكتر الرموز اللبنانية تميّزًا. بس قصته أقدم بكتير مما بيتخيّل أغلب الناس.
وصلت القهوة على لبنان بالقرن السادس عشر، بعد ما انتشرت من شرق أفريقيا وشبه الجزيرة العربية عبر الدولة العثمانية.
ومع افتتاح المقاهي بكل أنحاء الإمبراطورية، وصلت هالعادة بسرعة لبلاد الشام، ومن بينها لبنان. وسرعان ما بطّلت القهوة مجرد مشروب، وصارت جزء من الحياة اليومية، ومن لَمّة الناس، ومن أساسيات استقبال الضيوف.

ولأن القهوة اللبنانية قوية ومطحونة ناعم، كانت بحاجة لفنجان يناسبها. بدل الأكواب الكبيرة، صاروا يستخدموا فناجين صغيرة بلا مسكة، مصنوعة من الخزف أو الفخار، لتحافظ على حرارة القهوة وتجمع ريحتها الزكية. وحجمها الصغير كان بيسهّل تقديم أكتر من فنجان من نفس الركوة، فكانت كل استراحة قهوة تتحول لجلسة أحاديث ولمّة.
رغم إن العثمانيين هني اللي نشروا ثقافة شرب القهوة، لبنان سرعان ما بنى علاقة خاصة مع هالفنجان. ولسنين طويلة، كانت ورش الفخار اللبنانية تزوّد مناطق واسعة من بلاد الشام بالفناجين.
ومن أشهر هالمراكز كانت راشيا الفخار بقضاء حاصبيا، واللي اسمها بحد ذاته بيعكس تاريخها، لأن صناعة الفخار كانت مهنتها الأساسية من مئات السنين. وبفضل الطين الممتاز الموجود بالمنطقة، توارثت عائلات كاملة هالحرفة وصارت تصنع بإيديها فناجين وأواني فخارية كانت تنباع بلبنان وسوريا وفلسطين والأردن.

ورغم إنه صعب نعرف بالتحديد إمتى بلشت صناعة الفخار براشيا، المؤرخين بيعتبروا إنها بترجع لعدة قرون، وكبرت بشكل ملحوظ بالعهد العثماني مع ازدياد الطلب على الفخار بكل بلاد الشام.

ومع مرور الوقت، صار الفنجان حاضر بكل المناسبات. استقبل الضيوف، وجمع العيلة، وحضر بالخطبات والأعراس، وحتى العزاء، وصار جزء من عادة قراءة الفنجان اللي بعدها مستمرة لليوم.
إذا دققت مرة بفنجان لبناني تقليدي، أكيد لاحظت الوردة الصغيرة المرسومة جواته أو حواليه. وهالتصميم مش مجرد زينة.
جذوره بترجع للخزف العثماني، وتحديدًا لخزف مدينة إزنيق بتركيا، اللي اشتهر بالقرنين السادس عشر والسابع عشر. كانت القطع تتزيّن برسومات التوليب والقرنفل والورود والزخارف النباتية، بألوان الأزرق الكوبالتي والأحمر والأخضر. ومع توسّع الدولة العثمانية، انتشرت هالنقشات بكل بلاد الشام، وصارت تزيّن أغراض البيت اليومية، ومن بينها فناجين القهوة.
ومع مرور الزمن، تبسّطت هالرسومات وصارت الوردة الصغيرة اللي بعدها موجودة اليوم بكل البيوت اللبنانية.
بس جذور هالزخارف أقدم من العهد العثماني. فالخزف البيزنطي وخزف بلاد الشام بالقرون الوسطى كان مليان برسومات الورود والكرمة والنباتات. ومن أشهر التصاميم اللي بعدها موجودة بخزانات جدّاتنا، النقشة اللي فيها أشكال بيضاوية حمرا مع رسمة توليب أو خزامى خضرا بسيطة.
لهيك، الوردة اللي منشوفها اليوم على الفنجان مش بس رسمة حلوة، هي جزء من تراث بصري عمره مئات السنين. وبالنسبة لكتير من اللبنانيين، صارت ترمز للضيافة، والدفا، والبيت.

بعيدًا عن شكله، للفنجان اللبناني لغة خاصة، وكل بيت بيعرف أصولها.
المضيف الأصيل ما بيعبي الفنجان للآخر، بس لنصّه تقريبًا. وهيدي الحركة، المعروفة باسم قهوة شرافة، بتدل إنه الضيف مرحّب فيه ياخد راحته ويطوّل بالقعدة. أما إذا تعبى الفنجان للآخر، فتعتبر عند البعض إشارة مهذبة إنه الزيارة قربت تخلص.
وكمان، لأن الفنجان بلا مسكة، بينمسك بأطراف الأصابع، وهاد الشي بيخلّي شرب القهوة يكون على مهل، شفة شفة، مش بسرعة.
ولما الضيف يكتفي، ما بيقول “خلص”. بدل هيك، بيهز الفنجان الفاضي هزّة خفيفة يمين وشمال، وهي حركة بسيطة بتوصل للمضيف إنه استمتع بالقهوة والضيافة، وما عاد بده زيادة.
ورغم انتشار ماكينات الإسبريسو والأكواب الكبيرة، الفنجان اللبناني بعدو حاضر.
بالعكس، كتير من المصممين والخزّافين اللبنانيين عم يعيدوا تقديمه بمواد حديثة مثل الباطون والسيراميك العصري، مع الحفاظ على شكله المعروف. وغيرن بعدن متمسكين بالنقشة التقليدية اللي كبرت عليها أجيال كاملة.

ومهما تغيّرت المواد أو التصاميم، بقي معنى الفنجان نفسه: رمز للضيافة، والحديث الحلو، واستقبال الناس بفنجان قهوة لبنانية معمولة بمحبة.